محمود محمود الغراب
93
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
الغير ، إنما يسعى لنفسه في نفس الأمر ، فما يزيده ذلك إلا شكر الغير ، والشاكر ذاكر للّه بأحب المحامد للّه ، والساعي منطّقه بتلك المحامد ، فالساعي ذاكر للّه بلسانه ولسان غيره [ قال اللّه تعالى لموسى عليه السلام « اذكرني بلسان لم تعصني به » فأمره أن يذكره بلسان الغير ، فأمره بالإحسان والكرم ] ، ثم قلت له : إن اللّه اصطفاك على الناس برسالته وبكلامه ، وأنت سألت الرؤية ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إن أحدكم لا يرى ربه حتى يموت » فقال : وكذلك كان ، لما سألته الرؤية أجابني فخررت صعقا ، فرأيته تعالى في صعقتي ، قلت : موتا ؟ قال : موتا ؛ قلت : فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شك في أمرك إذا وجدك في يوم البعث ، فلا يدري ، أجوزيت بصعقة الطور فلم تصعق في نفخة الصعق ، فإن نفخة الصعق ما تعم ؟ فقال : صدقت ، كذلك كان ، جازاني اللّه بصعقة الطور ، فما رأيته تعالى حتى مت ، ثم أفقت فعلمت من رأيت ، ولذلك قلت تُبْتُ إِلَيْكَ فإني ما رجعت إلا إليه ، فقلت : أنت من جملة العلماء باللّه ، فما كانت رؤية اللّه عندك حين سألته إياها ؟ فقال واجبة وجوبا عقليا ؛ قلت : فبما ذا اختصصت به دون غيرك ؟ قال : كنت أراه وما كنت أعلم أنه هو ، فلما اختلف عليّ الموطن ورأيته ، علمت من رأيت ، فلما أفقت ما انحجبت ، واستصحبتني رؤيته إلى أبد الأبد ، فهذا الفرق بيننا وبين المحجوبين عن علمهم بما يرونه ، فإذا ماتوا رأوا الحق ، فميزه لهم الموطن ، فلو ردوا لقالوا مثل ما قلنا ، قلت : فلو كان الموت موطن رؤيته ، لرآه كل ميت ، وقد وصفهم اللّه بالحجاب عن رؤيته ، قال : نعم هم المحجوبون عن العلم به أنه هو ، وإذا كان في نفسك لقاء شخص لست تعرفه بعينه ، وأنت طالب له من اسمه وحاجتك إليه ، فلقيته وسلمت عليه ، وسلم عليك في جملة من لقيت ، ولم يتعرف إليك ، فقد رأيته وما رأيته ، فلا تزال طالبا له ، وهو بحيث تراه ، فلا معول إلا على العلم ، ولهذا قلنا في العلم : إنه عين ذاته ، إذ لو لم يكن عين ذاته ، لكان المعول عليه غيرا له ، ولا معول إلا على العلم ، قلت : إن اللّه دلك على الجبل ، وذكر عن نفسه أنه تجلى للجبل ، فقال : لا يثبت شيء لتجليه ، فلا بد من تغير الحال [ فكان الدك للجبل كالصعق لموسى ، يقول موسى : فالذي دكه أصعقني ] قلت له : إن اللّه تولى تعليمي ، فعلمت منه على قدر ما أعطاني ، فقال : هكذا فعله مع العلماء به ، فخذ منه لا من الكون ، فإنك لن تأخذ إلا على قدر استعدادك ،